الجمعة، 11 نوفمبر 2011

بورقيبة: ما لــــه وماعليه

من الصعب الحديث عن الزعيم الرّاحل الحبيب بورقيبة بدون اثارة عواطف ومواقف متضاربة. ها قد مرّ يوم 3 أوت، ذكرى ميلاد الزعيم التي كانت على مدى عشرات السنين ثمثل أطول اجازة صيفية يفرح لها الكبار والصغار لما تمنحه من راحة صيفيّة. ونحن اليوم 13 أوت نحتفل بعيد المرأة التونسية. وقد يعلم القليل من الجيل الجديد مدى تعلق بورقيبة بوالدته وأن كل اصلاحاته في هذا المجال لها علاقة بتاريخه الشخصي بقدر مالها علاقة بتكوينه الفكري.أمّا أبناء جيلي، جيل ماقبل "اصلاح" التعليم فيتذكّرون أنه كانت من مقرّرات مادة القراءة وشرح النصوص بالتعليم الثانوي نصوص من تأليف بورقيبة ذاته ومنها نص يروي فيها حادثة وفاة والدته وكيف تم اعلامه بها عند اخراجه من قسم الدراسة بالمعهد الصادقي ليحضر جنازتها.

العواطف المتضاربة تتأتّى من كون هذا الرجل الاستثنائي قد جسّد بالنسبة لشعبه ولازال عقدة الأب التي لم يمكن تجاوزها "بقتله" رمزيا للمرور لمرحلة النضج والانعتاق من احساس الحاجة للمرشد والموجّه والرّاعي ..الخ. فكأنّ بورقيبة بمَوْتـَـيْهِ، السياسي سنة 87 والبيولوجي سنة 2000، قد خلّف شعبا من اليتامى الذين استحال عليهم بعده التماهي أو التعويض بأي شخصية أخرى رمزيّة أو ماديّة.
أمّا المواقف المتضاربة فتتأتّى من التباين الكبير في وجهات النظر بين مواليه ومعارضيه. فامّا حبّ حدّ التأليه أو بُغض حدّ التكفير الدّيني والايديولوجي. فهل بالامكان تقييم تجربة بورقيبة كفاعل سياسي أثـّر في حقبة هامّة من تاريخ تونس امتدّت ما يناهزالنصف قرن.

ما لـــــهُ؟

1- لايُمكن لعاقـليْن (أو ثلاثة) أن يُنكرا فضل المواقف والسياسات البورقيبية على صعيد تحرير المرأة كسبيل لتحرير الانسان التونسي من حقب متتالية من الثقافة الميزوجينية المتغلغلة في المخيال الجماعي كما في السلوكات اليوميّة. فالطفرة القانونية التي أحدثـتها مجلة الأحوال الشخصيّة تـُحسب له لا كمجرد قوانين لم تدركها أي من الدول العربية منذ ذلك التاريخ وانما كتغيير اجتماعي وثقافي عميق كان لا بد منه للولوج في عالم الحداثة المهم في سلـّم قيم بورقيبة الشخصية. لقد كان سابقا لعصره بنظرته الحداثية الثاقبة في مسألة المساواة بين الجنسين.

2- بالرغم من أن الزعيم جعل كل فلك الحكومة و الادارة يدور حول شخصه فلا يمكن انكار القيم الثابتة التي اعتمدها من حيث احترام المؤسسات ولعل أهم هاتة المؤسسات الى جانب تعميم التعليم وهيكلة منظومة صحيّة محترمة هي مساواة الفرص بين الجميع والاعتماد على نزاهة المؤسسات. وكانت ثمرة هذا الانجاز ظهور طبقة متعلـّمة منحدرة من جميع الأوساط الاقتصادية والافاق الاجتماعية. بورقيبة كان يفضل أن يحكم شعبا متعلـّما وذكيّا على عكس جيرانه في المغرب العربي.

3- على صعيد شخصي لا يمكن نسيان ما كان يتمتـّع به الرجل من ذكاء وحنكة وحضور ذهني مرفوق بروح الدعابة والسخرية. ويُحكى للطرفة كيف أنّ أحد مذيعي نشرة أخبار الثامنة كان في غاية الارتباك اذ وافق أول ظهوره على الشاشة تغطية عودة الزعيم من احدى الرحلات العلاجية بسويسرا، وبما أن مثل هاته التغطيات تخضع لأسلوب اللغة الخشبية المتداولة استأنس مديروه اعطاءه البث في أول ظهور له. فكانت تغطيته كالآتي:"عند نزول السيد الرئيس من مدرج الطائرة استعرض ثلة من الجيوش الثلاثة أدت له التحية وكان في استقباله السادة الوزراء وأعضاء الديوان الرئاسي وقد قام السيد الرئيس بمصافحتهم قـِـرْدًا ... قـِـرْدًا" هكذا نطقها المذيع الجديد من شدة ارتباكه بدلا عن " فـَـرْدًا... فـَـرْدًا" ومرّت نشرة الثامنة على هذا الشكل دون أن يقع التفطن لزلة اللسان. فماكان من بورقيبة الا أن أخذ الهاتف وطلب مكالمة المذيع الذي يراه لأول مرة وقال له بالحرف الواحد تقريبا: "يا ولدي أنت قلت الحقيقة...لكن ليست كل الحقائق ينبغي أن تُقال"

.مــا عـلـيه؟

1- الحداثة والديمقراطية: لقد نهل بورقيبة في عشرينيات القرن الماضي كل قيم الحداثة و العقلانية في العلوم كما في التنظيم و الممارسة السياسية. الأمر الوحيد الذي لم يستسغه و لم يستوعبه من مجمل هذه القيم الحضارية هي الديمقراطية. لم يكن بورقيبة ديمقراطيا أبدا لا في النظرية و لا في التطبيق. لكن كانت له نزاهة الاعتراف بذلك، ليس بصريح العبارة فلم نستمع أبدا الى خطاب يعلن فيه أنه ليس ديمقراطيا أو ضد هذه المنظومة القيميّة، لكن على صعيد السلوكات والسياسات كان الأمر واضحا وجليّا. نعم كان حداثـيّا لكنه لم يكن ديمقراطيا البتة.

2- التناقض القاتل: بورقيبة الذي حارب القبليّة والعروشية رسـّخ في سلوكه ونظام حكمه الجهويّة. والكل يعرف كيف تحوّلت خلال حكمه قرية المنستير الى مدينة كان يفكــّر حتـّى في جعلها عاصمة سياسية. لكنه لم يجرأ. والكل يعرف كذلك أن من الشروط الأولى لتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب العليا في الادارة كان القرب الجغرافي للمترشحين من مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم. حتى أنه في آخر أيامه في الحكم، عندما قـُدّم له في العشية وزير وافق على تعيينه في نفس صباح اليوم كان أول سؤال سأله اياه:" منين انتي؟ أي من أي بلدة أنت؟ فأجاب الوزير: "من المكنين" أو "المسعدين" أو شيىء من هذا القبيل. فكان رد بورقيبة :"لم أعرف من هذه القرية رجالا...أعانوني زمن الاستعمار" وكان بذلك الوزير الأقصر عمرا في منصبه اذ لم يتجاوز الــ24 ساعة.

3- تضخم الأنا المرضي: كان بورقيبة مثـقـفا وذكـيّا، هذا لا ينكره أحد. لكنه كان ينظر الى نفسه نظرة العبقري الذي لم يجُد الزمان بمثله. وكانت كلمة "متاعي" التونسيّة تتوارد في كل خطابته: الدولة متاعي... الشعب متاعي...الحكومة متاعي...القصر متاعي..الخ. كان كل شيىء وأي شيىء في تونس يدور حول أناه المتضخمة. فكان من الصعب اذن على هذا الأنا أن يترجـّل عن فلك السلطة والسلطان ويتخلّى طوعا عن الحكم لأنها بذلك تفقد معناها وتوازنها كمركز كل شيىء. حتـّى أنه للطرفة عندما سأله صحفي أجنبي: "لماذا لا تحذو حذو ليبول سيدار سانغور وتتخلى عن الرئاسة للجيل الجديد؟" كان ردّه لاذعا وذي مسحة عنصرية: "تريدني أن أفعل مثل ذلك الزنجي الأحمق؟"

ينتهج الصحفي قصي صالح درويش في كتابه "يحدث في تونس" منهج التحليل النفسي الفرويدي ليبيّن لنا كيف أن بورقيبة كان يعاني من عقدة الخصاء. قد يكون هذا صحيحا نظرا لخاصيّات فيزيولوجية أطلع عليها بورقيبة نفسه القاصي والدّاني. الأكيد أن بورقيبة مارس سياسة الاخصاء والاقصاء خصوصا مع زملائه من زعامات الحركة الوطنية. فقد كانو كلهم عديمي الشجاعة والرؤية الثاقبة وقليلي الاسهام في تحرير الوطن. الأكيد أن تاريخ الحركة الوطنية في حاجة الى اعادة كتابة أكثر موضوعية لتنقيته من هذا الأنا المتعالي الذي احتل كل الفضاءات الفارغة.

ولعلّنا اليوم أمام هذه الشخصية الثرية بتناقضاتها قد ورثنا مالها وماعليه في آن.


مونتريال12 أوت 2009

أسئلة بريئة


1:


عندما خرجت الأغلبيّة الصّامتة من صمتها بمحض الصـدفة مباشرة بعدما استعمل محمد الغنوشي هذا اللفظ ... بحت اصواتها وطلعت بلاحيحها وهي تنادي بسقوط عبد السلام جراد لفساده المالي ... ومُلئ الفايس بووك بشعار جراد ديقاج . طيّبٌ  وطبيعيٌّ جدّا ان يُحال  الفاسدون على المحاكمة. لكن هل من الصدف أنه في نفس الحين والفترة لم نستمع لأحد قط يرفع شعار الهادي الجيلاني ديقاج بالرغم من انّ هذا الشخص لازال يباشر مهامه البنكية وهو مسؤول عن بيع ابنته للطرابلسية ومسؤول عن افلاس باطام وعنصر فاعل في المافيا العائلية. فهل هي محض صدفة...


2:

فزع الفازعون ابّان الثورة وخوّفونا بأنّ المتظاهرين والمعتصمين سيدخلون البلاد في "حيط" اذا لم يعودوا فورا للعمل. فهل نسي هؤولا ء انّ تونس كانت في زنقة ... وعندما وقفت الزنقة للهارب قام الشباب بالدخول في الحائط ليبنوا للمستقبل طريق الحريّة ... وهل  نسوْا ان كامل الانتاجية المهدورة عثر عليها نقدا في خزائن المخلوع المصفّحة . يجب أن نشكر اذن المتظاهرين والمعتصمين لأنهم دخــّلونا في حيط  وفتحوا لنا بذلك طريق الديمقراطية واسترجاع اموالنا للخزينة العــموميّة. كان أولى بالعقليّات التخويفيّة أن تمدّ بصرها الى ماوراء الحيطان. أيّا فمّاش حيط آخر ندخلوا فيه ... لعلّ وعسى ..


3:


سبق ان كتبت مازحا :  
"قالوا : تونس ليك ... تونس ليّا .. تونس لائكية
 قلتلهم : انشالله لائكيّة ... امّا منْ كثرة الشــّـلايك ... خايفْ لا تولــّي شلائكيّـــة"


واقول الآن بعيدا عن المزاح للذين هبّوا دفاعا عن اللائكية وضد الفصل الأوّل من الدّستور:


- أين كنتم عندما كان شباب الثورة يعرّض صدره للرّصاص من أجل الكرامة والحريّة ?


- على مدى الأشهر الأخيرة هل سمعتم مظاهرة ثوريّة غير ركوبيّة تحمل شعار اللاّئكيّة ?


- لما يقتصر نظركم على النموذج الفرنسي فحسب هل لقصور لغوي ام معرفي ام انّ عقدة المُستعمَرْ حسب تعريف ألبار ممّي لازالت تسكنكم ...


- والاهم من كل ذلك : ماذا كانت تونس قبل 14 جانفي? لائكيّة أم دينيــّة? فمهما كانت الاجابة ماهي دواعي التغيير الآن للمنظومة التونسية في علاقة الدين بالدّولة


فالجدل العقيم الدّائر رحاه كزوبعة في فنجان بعيد عن اهتمامات الشعب والثورة حيث لم يعلن حزب واحد مُــرخــّص له انّ له برنامج دولة دينيّة . ثمّ انّ هذا الجدل تجاوزه التاريخ والجغرافيا أيضا اذ يكفي النظر لنماذج العلمانية خارج فرنسا (بريطانيا . الولايات المتحدة وكندا . البلدان الاسكندنافيّة) للتحرر من عقدة فرنســـا التـّى أورثتنا نظمها الادارية والسياسيّة المعقــّدة والبالية.

الانسان... ذلك الكائن المؤقت الذي يمقت التوقيت



الوجود والعدم، الحياة والموت، الخلق والتطور، البيغ بانغ ونهاية الكون، الوعي واللاوعي، التذكر والنسيان وغيرها
من المتضادات كلها تدور في فلك الزمان ووعي الانسان بانه كائن مؤقت... ما أتى العالم الا ليبرحه بعد حين وكلما تذكر نسى ان وجوده فاصلة - شخصية على اكبر تقدير- في أسفار الكون اللامتناهية. لكن نفس هذا الكائن المؤقت في خصومة دائمة مع الوقت فهوامّا قاتل للوقت من الملل اذا كانت حياتة بلا معنى ولا اتجاه وامّا لاهث وراء الوقت يشتريه بأغلى ما عنده ولو أن الوقت يُشتهى ولا يُشترى. لم نسمع أحدا يقول: عشت مافيه الكفاية..علي الآن الرحيل الا اذا كان في أدنى حالات الاكتئاب ولم نر أحدا يبيع وقته لغيره الا من أجل رغيف الخبز. وهكذا تخسرُ الأعمار من أجل الفوز بأدنى مراتب الحياة. يلهث الناس طوال أعمارهم وراء الكسب والتكاثر والتراكم..بدون وعي بأن أغلى شيئ في الحياة هو الوقت...لأنه الفرصة الوحيدة السانحة للوجود.

الخلق والتطوّر...

قد تصبح مضحكة ذات يوم تلك الخصومة التي ما زلنا نرى آثارها في حوارات وجدالات المثقفين وأشباه العلماء وان لم يكونوا علماء. في الجبهة والأولى نجد الخلوقيين أو الخلقانيين (créationniste) الذي يؤمنون ايمان العجائز- وكأنهم حظروا لحظة الخلق الأول - بنظريّة الخلق "كن فيكون" على أساس أن مسافة الوقت بين أمر كُن وما سيكون هي نفس مسافة الوقت للنطق بالكلمتين. انهم يُخظعون الخالق لزمنهم، لوعيهم بالوقت المقسم على ساعاتهم اليدوية والحائطية، وكانه في حاجة لفيزيائهم ليبرر وجوده. لم يفهموا بعد أن الذي يصنع الوقت ينبغي ان يكون خارج قوانين لعبته والا احترق بالنار التي أسعرها. لم يدركوا بعد ان الوقت "مادة" مطاطية عبر زمن وجود الأزمان ذاتها التي لم تكن لتوجد لولا المادة. لا وقت بدون مادة وبدون طاقة. وفي الجبهة الثانية نجد التطوريين (évolutionniste) الذين يتخذون من المعرفة العلمية التجريبية المتاحة ذريعة لنكران أي وجود الاهي ماورائي.العلوم الصحيحة والتجريبية بأصنافها لها سيرورتها الخاصة. هذه السيرورة تلغي من ماهيتها الاجابة على السؤالين التاليين: من؟ ولماذا؟ وتكتفي فقط بالاجابة على سؤال واحد: كيف ؟ هذه هي المعرفة العلميّة ومجالها التعريفي. وما خرج عن هذا المجال ليس الا استعمال المعرفة العلمية لأغراض غير علمية وهو ما يفقد تناسق الحجة بالنسبة للطرفين. لكن على مستوى آخر لا شيىء يمنع من اعتبار انه هناك سوء تفاهم بين الطرفين حول الوقت ومفهومه. فأي مانع عقلاني يرفض أن يكون التطوّر هو سيرورة (Processus) الخلق ذاتها بما أن الخالق "ان وجد" لا يخضع لاي وقت أو توقيت. وبذلك الخروج من الجدل البيزنطي: خلقٌ أم تطوّر؟ وفي النهاية ليكفر ما شاء وليؤمن من شاء بدون الالتجاء الى ذرائع علمية أو "سحرية".

الحياة والعدم...

ماذا فعلت بشبابك ... ماذا فعلت بوقتك ... وانت تعلم ايها الانسان انه مهما عمّرت فان دقات قلبك معدودة شئت أم لم تشأ. مشكلة الانسان أنه ينسى أن الحقيقة الوحيدة في هذا الوجود هي النهاية الحتمية له. وما دون ذلك يخضع للاعتقاد فحسب.الاعتقاد هو عكس اليقين. لكن الانسان يصبغ النسيان على يقينه الوحيد ويصبغ اليقين على معتقداته. فعجبا. فلولا وعي الانسان بأنه كائن مؤقـّت وخوفه و رعبه من نهاية التوقيت المتاح له للحياة لما كانت أديان، ولا كانت حضارة ولا كان انسان. النسيان هو بلسم الانسان في ردهة الوجود. ولكي ينسى لا بد لالانسان أن ينشغل لان فراغ الوقت من أي شغل واهتمام هو أشد وأقسى أنواع العذاب النفسي. فتجد ابن آدم مشغولا بالقوت اذا كان في أدنى درجات السلم الاقتصادي ومشغولا بالتراكم والهيمنة والتكاثر والظهور ان كان في أعلاها. المهم أن يظل مشغولا... لينسى وليكون وقته المعدود عليه ممتعا. البحث عن السعادة والمتعة هي أسمى غايتة المؤقتة. لكن الحياة كل الحياة لا تعدو ان تكون اللحظة الراهنة التي نحياها. فالماضي متراكم في الذاكرة كتجارب سلبية و ايجابة ولا يمكن أن نحياه ثانية والآتي أماني وخيالات وطموحات يمكن أن تفضي الى أهدافها أو لا. لا تبقى لنا الا اللحظة الزئبقية التي بين أيدينا لنقرر فيها اي المتع يمكن تحصيلها والآلام يجب تخطـّيها.

الوجود والأثر...

هناك طائفة قليلة من البشر تعيش لحظتها الآنيـّة على أساس أنها آخر لحظة ويصبح وعيها هذا هوسا: أي أثر سأترك للآتين بعدي... هذه الطائفة هي من المبدعين خصوصا في المجالات الفكرية والفنية... المبدعون الحقيقيون لا صناع المواد الاستهلاكية التي تخضع لمنطق الموضة حتى وان كانت فنيــّـة وفكريـّـة. ولعل المبدعين الحقييقين لم يختاروا أن يكونوا كذلك لأنهم ولدوا كما هم مسكونين بهوس الابداع أي خلق الجديد وبنائه على أنقاض القديم. والوقت هو أكبرعدوّ للمبدع الحقيقي على جبهتين. الجبهة الأولى هي أنه يلزم الكثير منه لاتمام مهمة لا تنتهي أبدا. والجبهة الثانية هي أن غالب المبدعين الحقيقيين يسبقون زمانهم من ناحية التقبل والفهم فيعيشون غرباء في زمانهم وأوطانهم. فغالبا ما تراهم في صراع مرير مع الوقت لكي يقولوا كلمتهم قبل أن يمضوا. وكما أن لأي قاعدة استثناءات فان العديد منهم يرحلون سريعا وقد حرصوا ان يقولو كلمتهم قبل المضي الذي اختاروه أو غـُصبوا عليه. بيتهوفن، الشابي أو سيد درويش على سبيل المثال لا سبيل الحصر من المبدعين ذي الأثر الخالد ولكنهم رحلوا سريعا بعد أن تركوا أثرهم. لقد عاشوا توقيتهم بكثافة... فهل نأسف على رحيلهم وقد سنح لهم عمرهم القصيربأن يقولواكل ما عندهم مما يجعل أي اضافة منهم مجرد حشو وتكرار؟ لقد فعلها جاك برال في عز عطائه عندما أعلن أنه بعتزل لأ نه قال كل ما لديه وأن المواصلة منه تعني التكرار وهو يرفض أن يغش جمهوره.
وقد يبدو هذا البحث المحموم عن ترك الأثر الذي يعطي معنى الوجود في غاية من الايثار والغيريّة (altruisme) لأنه سيفيد الآخرين أكثر مما سيفيد الراحلين. لكنه في حقيقته غاية في النرجسية والأنانية اذ أنه ما معنى أن يطمع الانسان في تواصل وجوده الرمزي عبر الأثر بعد أن يفارق الدنيا روحا و جسدا؟ ولنفهم هنا ان استعمال الأنانية مقابل الغيرية لا يخضع للحكم القيمي الشائع على أساس ان الغيريّة قيمة سامية والأنانية قيمة دانية وانما محاولة للاقتراب من حقيقة الأشياء. لا أحد من المبدعين يمكن أن يضمن خلوده عبر أثره لأنه وان اشتهر في حياته فلا يعني أنه محصّن من النسيان وان لم يكن لأثره معنى لمن حوله في حياته لا يضمن أن يصبح ذي معنى بعد آنْ...أي بعد رحيله عن هذا الزمكان.

الوقت اذن يبقى سيد الموقف أبدا وما دونه خيالات تأتي لتمضي ... 

التفكير بهدوء وسط العاصفة

عندما يتساقط غبار الأحداث الحاليّة سيتذكــّر التــّاريخ "ربّما" أنّ انتفاضة 6 ماي هي حلقة من حلقات الثورة التونسيّة لا تقلّ أهميّة عن 17 ديسمبر و 14 جانفي.

فانْ كان 14 جانفي تاريخ انتفاضة ضد دكتاتور هرب عندما فـَهـِمَنـَا و فهم رسالة شعبه فان 6 ماي هي انتفاضة على الثورة المضادّة وحكومة الظلّ. وعلى المُصرّين في ادارة خيوط وأضواء المعركة أن يفهموا أنّ الشعب فهمهم.  وكأنّ القدر يُصرّ على على الاستجابة لارادة الشعب التونسي في ايصال مركبة ثورته الى المرفأ المُبتغى.
انّ ما سيُسمـّى مُستـقـبلا "قضيّة الرّاجحي" سيكون لها رغم كل الاحترازات التداعيات الايجابيّة التـّالية:

أوّلا: لازال الشعب مُـتيقـّـضا لثورته قادرا على التعبئة والاستنفار من أجل الحفاظ عليها ومظاهرات 6 ماي ليست الا اختبارا لتلك القدرة.

ثانيا: البوليس الذي تطبّّّع على العنف المفرط و القمع لا يعرف غير ذلك ولن يُمارس غير ذلك. انّه غير مؤهّــل لحد الآن وليست له القدرة الذاتيّة و لا الرّغبة في قبول المظاهرات السلميّة ولا التعاطي معها. انها مسألة ثقافة في ممارسة المهنة مبنيّة على مُسلـّـَمَة: "الخوف هو الرّادع الوحيد ولا يزداد الخوف الا بازدياد العنف"

ثالثا: الحسّ الشعبي قد يُخطأ.. لكن تصريحات الرّاجحي لم تكن لتجد ذلك الصــّدى ان لم توافق ما يُفكــّرُ فيه الشعب بحدسه. ولأنّ الشعب حكيم فانّه لا يتحرّك الاّ اذا تأكــّدت في حدسه الأمور... تماما كما حصل مع أنباء ويكيليكس التي لم تكن الا تأكـيدا لما كان الناس يعرفونه عبر تناقل الألسن لكن دون ضمان الحقيقة.

رابعا: أنّ التصريح أو التخمين بانقلاب عسكري مهما كانت صحـّته ألقت بهذا السيناريو في الماءْ. الشعب ونخبته لهم ثقة في الجيش مدعومة بقرائن لكنها ثـقة مبنيّة على أن المكان الحقيقي للجيش ومكانته هي في الحفاظ على الوطن والمواطنين وليس سياستهم.

خامسا: قد تكون الثورة التونسيّة أوّل ثورة تنجح في التـّاريخ.. لكنّ ذلك سوف يبقى رهين الصراع بين القوى الثوريّة وقوى الثورة المضادّة. ولا أعتقد أنّ الثورة ستنتهي ..مهما دفعت قوى الردّة نحو العنف لعودة الأمن كمطلب أساسي بديلٍ عن الحريّة. ولن تكون انتخابات المجلس التأسيسي مقبرة الثورة انْ زُوّرت لأنّ الشعب الذي خرج في 14 جانفي و6 مايو قادر على الخروج مرّة أخرى في أيّ تاريخ اذا وعى أنـّه اُسْـتـُـغـفـِلَ.

سادسا: مهما تُلام الأحزاب السياسيّــة والنخبة فانّــها أبدت حيال القضيّة والأحداث المنجرّة عنها تعاملا حكيما من غير السقوط في فخ البارانويا.

سابعا: الحزب المفيوزي المهيمن سابقا ... مازال يحشرج باحثا عن خيط يربطه بانبعاث جديد، لكن قـَــبـْرَهُ واقعا ومجازا لن يكون الا عبر صناديق الاقتراع. وسوف تكتمل الثورة حقيقة عند مشاركة الشعب في انجاح هذا الموعد الذي سيكون بمثابة "طقس عبور" أو "معموديّة النار" فيه ما فيه من ازدواج الألم والفرحة.


طقس عبور: rite de passage
معموديّة النار: baptème de feu

Karim Samaali - Montréal le:  6 mai 2011

اعتصام العودة .. وعودة حليمة

لم تعد حليمة لعادتها القديمة فيما يخص تعامل البوليس مع المعتصمين.
 حليمة لم تفارق أبدا عادتها القديمة انـّما استراحت قليلا لتجمّع قواها. حليمة "مهبولة وزغرطولها في وذنها" لم تعد تميّز ما تفعل ولا لماذا تفعل أومن يفعل بها.

ليس المهم أن نكون مع أو ضد الاعتصام وأهدافه ومَن وراءه. يمكن أن يكون ذلك موضوع جدل سياسي لكن المهم هو أخذ موقف من العنف المسلـّط على المتظاهرين بصفة سلميّة لا غبار عليها. ان وزارةالدّاخليّة و أجهزتها  أضاعت أكثر من فرصة للآعتذار عن ماضيها و بداية صفحة جديدة مع الشعب أساسها الاحترام المتبادل. انّ تونس لا تمرّ بمرحلة انتقاليّة حرجة فقط بل أصبحت عبارة على لوحة سُرياليّة يلزمها الكثير من آليّات التحليل النفسي والسلوكي لمحاولة فهم ما يحدث.

التناقض الحكومي

من المفروض أن الحكومة الانتقاليّة في مرحلة ثوريّة تسعى الى ردّ السلطة والاعتبار للشعب الثائر. وهي كذلك في خطابها وتسمية مؤسساتها الثوريّة الانتقاليّة لكنـّها في سلوكها تفعل عكس ذلك تماما. الخطاب السياسي الحكومي أجوف وغارق في العموميات. ستة أشهر مرّت على فرار المخلوع ولا نعرف من قتل وبأوامر من؟ القناصة اشاعة. ملفات الشهداْ أمام القضاء وملفات الفساد أمام اللجان المختصّة. الحكومة تنفي أنّها اقترضت رسميّا مليارات الدّولارات من دول الثمانية وفي نفس الوقت نكتشف مخططات تنمية من 2012 الى 2016. هل هذه الحكومة تستحق الثـقة؟ هل تدرك أنّ الثورة ليست اشتباكات عقب مباراة كرة قدم تهدأ النفوس بعدها لترجع حليمة لكرتها القديمة؟ لقد نعت الباجي قايد السبسي وزير الدّاخليّة السابق فرحات الرّاجحي بالغباء السياسي. طيّب أين هو الذكاء أو الدّهاء السياسي للحكومة الحاليّة؟ في التلكــّأ والالتفاف على المطالب. في سياسسة الدم البارد والرّيق البارد الذي تتبعها و الشارع مازال في حالة غليان. هل تريد هذه الحكومة أن تختبر مدى صبر الشعب عليها بمماطلته لعلّ وعسى يرضخ لعنفها و تهديديها ويعود الى بيته فرحا مسرورا تاركا أمر الشأن العام لمحترفي السياسة التي ألفناها في الربع القرن الأخير التي أثبتيت في الربع الساعة الأخير قبل رحيل المخلوع أنها كانت كذبة كبرى. هل تريد منــّا هذه الحكومة تصديق كذبة أخرى لأنها أحدث.

التناقض البوليسي

"ضربني وبكي سبقني و شكى" و"كف وبُرج بقلاوة" هذه هي عملة الجهاز البوليسي. بعد مظاهرات ونقابة وتصريحات تعد الشعب بالتزام الحياد ازاء تظاهراته السلميّة تنزل العصيّ على ظهور المتظاهرين والمارّين العابرين كمطر غسّالة النوادر لكن في عز الصيف. ويخرج علينا المسؤول ليصرّح أن تلك المعاملة قانونية بصفة أن المظاهرة لم تتحصّـل على ترخيص مسبق. ثم يخرج متحدّث باسم قوّات التدخـّل ليعتذرعن العنف المفرط و يقول انـّها تجاوزات فرديّة. هل هذه الوزارة و مصدر القرار فيها أفعى بٍاس أو رأسين و بسبعة رؤوس. هل هناك تطاحن ومعارك أجنحة بين الأجهزة تجعل القرارات والتصريحات في تلك الحالة السريالية من التذبذب والتناقض؟ الناس لا يصدّقون الا ما يرونه... لأن الخطابات و التصريحات لا قيمة لها. الواقع هو المحك والواقع اليوم هو أنّ دار لقمان بقيت على حالها بل أتعس. هل هناك خطـّة لجر البلاد لما لا يُحمد عقباه لتبرير تأجيل جديد للانتخابات بتعلّـة القوّة القاهرة. ان الاعتداء على المصلّيين داخل مسجد القصبة سابقة لم تحصل أبدا. فهل هناك نيّة في اخراج الغول القديم الذي استعمله بن علي زهاء ربع قرن للوصول الى السلطة والمكوث فيها. انّ البوليس السياسي لم يتعلّم ولم يألف ولم يُتقن الا تلك الأغنية .. الغول الذي يتربّص بنا. وكما يقولون:" عندما تكون الأداة الوحيدة التي لديك مطرقة فان كل المشاكل تتراءى لك في شكل مساميير"

التناقض النخبوي

هناك نخبة سياسية وفكريّة لا تروق لها ديمقراطية الأغلبية. هذه النخبةالأثينيّة لا تعترف الا بدمقراطيّة اقصائيّة تماما كما كانت الديمقراطية في اغورا أثينة تقصي النساء والعبيد ولا تخصّ الا ما يقارب 10 بالمائة من مجموع السكان. الأحزاب والنخب التي لم تكن مع القصبة 1 والقصبة 2 لن تكون بطبيعة رؤيتها للمشهد السياسي ومصالحها مع القصبة 3. هناك من الأحزاب الانتهازية من يرى زعمائها انفسهم على كراسي الرئاسة والوزارة ليمارسو نفس لعبة السياسة البنعليّة بأسماء جديدة. هم لم يفهموا الثورة ولم يساندوها من يومها الأوّل وارتموا في أحضان المخلوع في الربع الساعة الأخيروحسبوا أنفسهم مؤهلين لقيادة المرحلة المقبلة. أحزاب "الكسكروتات" لا تستطيع الا أن تكون ضدّ أي نفس ثوري. هي تريد قطف انجازات الثورة فقط لا الثورة ذاتها. فهي مع أكل الغلّـة و سب الملـّـة .. وقسْ عليها شرائح من المثقفين الذين لم نسمع لهم صوتا معارضا فيما مضى وشرائح من المسيّسين الذين لا همّ لهم سوى أن يكونوا ضدّ ذلك التيـــّــار أو ذلك الاتجاه. الرّائحة متعفــّنة ... ليس في مملكة الدنمارك فحسب وانــّما في ممالك الانتهازيين الجدد الذين يعتقدون قباقيبهم تيجانا على رؤوسهم. يردون الحريّة التي لم يضحّوا من أجلها ويسبّون الثوؤيين الذين دفعوا دماءهم لأجلها. يريدون المناصاب و يُنفقون من المال القذر فقط لنرى وجوههم ونألفها كما نألف مواد التنظيف ولتذكـّرنا بالمخلوعين أجمعين. دم الشهداء لم يجف بعد و هم يقيمون مراقص الوليمة ليغنموا من لحم الشعب و لحم أبنائه. ان كانت تلك هي السياسة فتبّا لها.

تكوين الزعامات في العمل السياسي

التجربة المريرة

صحيح أنـّه قد انتهى زمن الزعامات السياسية في الوطن العربي منذ عبد الناصر و بورقيبة و كل القيادات التاريخية التي قادت معركة الاستقلال الأول. وهو شيئ جيّد لنا كشعوب عربيّة لأننا لم نرى من تلك الزعامات الا جبروتها و بأسها وأخطائها السياسية التي أدّت الى الدكتاتوريّة والهزائم المتتالية. انّ الثقافة العربيّة منذ البعثة المحمّديّة مهووسة بالزعامة وكأنّ الشعوب العربيّة لا يمكن قيادتها الا من خلال الزعيم الفذ والأب القاسي الذي يأكل أولاده ان تمرّدوا عليه أو حاولو اغتياله حتّى رمزيّا. وكما يقول ابن خلدون متحدثا عن العرب " فهم لا ينحازون الاّ الى نبي " لكن الزعامة كما عرفناها من خلال تاريخنا هي زعامة الأنا المتضخــّمة والمريضة بنرجسيّتها التي تميل حتما الى الكليانيّة ثمّ الى دمارها بطلاقها البائن مع الواقع ولا يمكن أن تكون سياسة الا بالتعامل المستمر مع الواقع و فهم متغيّراته.

خاصيّات الزعيم الديمقراطي

فبعيدا عن مفهوم الزعامة الكاريزماتية المطلقة و التاريخيّة يبقى مفهوم الزعامة مسألة ضروريّة في العمل
السياسي. فماهي خاصيّات الزعيم السياسي ؟

يعيش اهتمامته السياسية بشغف وحماسة
يعتقد بنظرته للمستقبل
وجد في السياسية مهمّته ورسالته
يملك انضباطا طبيعيّا لتحقيق أهدافه
يدرك حدود معرفته ويعي ما لا يعرف
له القدرة على التأثير
كوّن سلوكا شخصيّا مُلهما لغيره
له امكانيات و موارد شخصيّة لمجابهة الصعاب.

ضرورة تكوين الزعامات

ان أيّ حزب في سعيه الى السلطة ينبغي أن يكوّن زعامات قادرة على تبليغ رسالته ونظرته للواقع كما هو وللاقناع بتغيير ذلك الواقع حيث المصلحة الوطنية العليا. وان نظرة سريعة الى عمل الأحزاب في الديقراطيات العريقة يرى أن الحياة الحزبية لا تخلو من الصراع حول الزعامة داخلها لتتمكن من الفوز في الانتخابات والتـأثير على الرأي العام لاستمالة المقترعين لصف هذا الحزب أو ذاك. ونتذكــّر الرحلة الماراطونية التي قادها الرئيس أوباما ضد منافسته هيلاري كلينتون خلال الانتخابات الابتدائية داخل الحزب الديمقراطي. وقس على ذلك الكثير.

انّ هدف تكوين الزعامات الشابة والفاعلة عي فرصة الثورة  التونسيّة. لقد ملّ مجمل الشعب الوجوه القديمة التي احتكرت العمل السياسي خلال الثلاثين سنه الأخيرة. ومن مؤشرات نجاح ثورتنا أن تفرز زعامات جديدة، جديّّــة وفاعلة لأن حان وقت تسليم المشعل بين الأجيال بدون صراع. لكن ثقافة جديدة لا بد من انتاجها أساسها: - الزعامة وقتيّة ويجب التفكير في تسليم المشعل - الزعامة تثبت عن طريق التنافس النزيه والدّيمقراطي - عدم التكفف والتأفف من تحمّل المسؤوليات بعيدا عن التواضع الزائف - القبول بلعبة المخاسبة و تحمّل المسؤولية. فاختيار الزعماء داخل الأحزاب وفي كافة المجالات ينبغي أن يخضع لنفس شروط اختيار قائد الفريق في جمعيّة كرة القدم مثلا. ينبغي ان من نختاره زعيما لتحقيق الأهداف يكون مشاركا في اللعبة مدافعا عن زملائه، لا ئما لهم ان لزم الأمر لكن في اطار المحافظة على روح الفريق الواحد دون تعال.

الفرق بين الزعامة والقيادة

لبناء أحزاب قادرة على البقاء و على العطاء ينبغي أن تتوفر فيها كل الكفاءات قياديّة كانت أو قاعديّة مع توفير الحظوظ لبروز الزعامات.




التحدّي الأخلاقي في العمل السياسي

هل من الواقعيّ اليوم رفع شعار "السياسة أخلاق أو لا تكون" والدفاع عنه بمناسبة ثورة تريد القطع مع الماضي؟ أليس من السذاجة تصوّر أنّـه بالامكان التحوّل من النقيض الى النقيض فيما يخص مكانة الأخلاق من الفعل السياسي بمناسبة ثورة لم تكتمل بعد؟ ما علاقة الأخلاق أصلا بالسياسة وهي منذ سقيفة بني ساعدة صراع تباح فيه كل الوسائل لبلوغ الهدف: الهيمنة والسلطة؟

ألمْ تكن الثورة التونسية بالأساس ثورة أخلاقية لأنها لفظت المنظومة اللا أخلاقيّة التي غرّبت التونسي عن طبيعته ومبادئه الرّاسخة. ألم تكن ثورة ضد السرقة والنهب اقتصاديّا، التعالي والاحتقار اجتماعيّا، الكذب المسترسل والاستهزاء بالحد الأدنى من الذكاء والفطنة اعلاميّا؟ ألم تكن ضد كل هذا.. وكل هذا هو زيغ على الثوابت الأخلاقيّة الدّنيا.
اطروحتنا وفرضيّتنا أنــّه لا يمكن للثورة التونسية النجاح أبدا ان لم تكن ثورة في الممارسة أي في تغليب قواعد الأخلاق او لنقل الآيطيقا التي تحكم الفعل السياسي.


الرشوة السياسية

هناك بديهيّات يدركها الحس الجمعي و يعبّر عنها بدون مواربة في فضاءات التعبير الحر. فتوزيع اللمجات ودفع الأموال لحضور الاجتماعات وتوزيع العطور كهدايا وتزويج ضعاف الحال وتمويل موائد الافطار وغيرها من الممارسات التي نشهدها و سوف نشهدها لا يمكن الا أن تدخل في خانة الرّشوة السياسيّة. لأنّ فعل الخير أمام عدسات الكاميرا و الاشهار له هو رياء والرّياء يذهب الحسنات حسب المنطق الدّيني ذاته. بذلك يصبح الفعل الخيريّ في ظاهره لاأخلاقيّا في محتواه لأنّ غايته ليس الخير ذاته وانّما الصورة التي تترتب عنه وتوظيفها أو استثمارها في جلب الأصوات والتعاطف مع هذا الحزب أو ذاك.

الغاية و الوسـيلة

هناك ما يعاقب عليه القانون وهناك ما تأباه الأخلاق وان لم يعاقب عليه القانون. فليس كل ما لا يعاقب عليه القانون مقبولا أخلاقيّا. وليس كل ما هو أخلاقيّ ظاهرا بأخلاقيّ باطنا. فان كان هدف أي فعل سياسي حزبي هو الوصول الى السلطة أو المكوث فيها بحسب ما تقتضيه القوانين المنظمة فان التواءات الوصول لذلك الهدف قد تكون وعرة التقبـّل على العقل الأخلاقي. فان كانت السياسة لعبة وان كان الفوز يقتضي الخدعة فهل بقي مكان لمن يعتقد أنــه ينبغي أن تكون الأخلاق من ضمن قواعد اللعبة. في الدكتاتوريات التي بُِـلينا بها جيلا بعد جيل منذ الفتنة الكبرى الى آخر المتمترسين وراء شرعيّة الدولة الوطنيّة الزائفة كانت السلطة تؤخذ غـيلة ًوتسلــّم حيلة ًَ وكان الماسك بها يُعطي لنفسه كل التبريرات القانونية والواقعيّة والقدسيّة. غاية الوصول الى الحكم والمكوث فيه كانت تبرّر كل وسائل القمع والحيلة. فالحق كان دائما بجانب السيف وصاحب الحل و العقد يجنـّد كلّ من يخضع لمنطق السيف ليسيغ له كل تبريرات فعله فتصبح الأخلاق بدورها في صف السيف. كان هذا ممكنا و يظل ممكنا في الدكتاتوريات. لكننا ونحن نلج باب التعدّد الحقيقي والديمقراطيّة في عصر غاب فيه المؤرّخون و برز فيه الموثقون والمدوّنون لم يعد بالامكان ن يبرر السياسيّ وسائله بغايته الا استبلاها للناس وهو في حد ذاته فعل لا أخلاقيّ.

الخيانة السياسية

الخيانة السياسيّة هنا هي خيانة المبادىء والقيم التي يروّجها الفاعل السياسي كاطار لعمله ثمّ يتخلــّى عنها وعن أتباعه ان تمسّكوا بها من أجل مصلحة، من أجل منصب أو من أجل فرصة ينتهزها. لا نتكلم هنا عن الخيانات الموصوفة التي يعاقب عليها القانون انــّما عن الخيانات المعنويّة التي نراها تتكرّر على ساحتنا السياسية وتضعف بذلك الثقة المترهــّلة أصلا لرجل الشارع بالسياسي. بالأمس كانت "لاعاش في تونس من خانها" - بيت القصيد في النشيد الوطنيّ- تردّد في قصر قرطاج بحضرة المخلوع فنفهم أنّ المنشدين/ المناشدين يقصدون بها من ينعتهم زعيم العصابة بالمستقويين بالغرب من باعو ضمائرهم و شوّهو صورة تونس بالخارج الخ الخ الخ .. أي معارضيه و مناوئيه ... واليوم صار لها معنى و مذاق آخر فبمجرّد أن ينشد شباب الثورة صدرهذا البيت تحيلنا ذاكرتنا الى نفس اؤولائك المنشدين/ المناشدين في قصر قرطاج. فمن هو الخائن الحقيقي؟

الثـابت والمتحول

في السياسة كما في مجالات أخرى هناك الثابت و المتحوّل. فان لم تكن القيم الأخلاقيّة والمبادىء الأوّليّة هي الثابتة فما سيكون اذا ؟؟ وبحديثنا هنا عن القيم و المبادىء لا نقصد ما هو مُعلن وانّما ما هو ممارس على أرض الواقع. ليس بالامكان قيس وتكميم المبادىء و القيم لكن بمجرّد تحليل السلوكات يمكن استدراج القيم الحقيقيّة التي تحرّك الفعل. الانسان هو ما يفعل وليس ما يقول. ومايفعله الفاعل السياسي على الساحة العامّة ليس سرّا ومن السهل استنتاج الصدق والكذب، الاستقامة و الخداع، التضحية والرّياءْ. كثير من الفاعلين السياسيين تنقصهم ثقافة الاتصال فهم لا يدركون أن مصداقيّتهم ليست فيما يقولونه حرفيّا وان جعلو له أبواقا تصمّ الآذان وصورا تملؤِ كلّ المساحات الاشهاريّة. مصداقيّة القول هي نتيجة تماسك وتناسق الفعل عبر تراكمه، ليس الاّ.